ابن المقفع
170
آثار ابن المقفع
يتعلم منهن حيلة تكون له عدة « 1 » عند الحاجة . فلما انتهت الحمامة المطوقة إلى الجرذ أمرت الحمام أن يقعن فوقعن . وكان للجرذ مئة جحر أعدها للمخاوف . فنادته المطوقة باسمه ، وكان اسمه زيرك ، فأجابها الجرذ من حجره : من أنت ؟ قالت : أنا خليلتك المطوقة فأقبل إليها الجرذ يسعى فقال لها : ما أوقعك في هذه الورطة ؟ قالت له : ألم تعلم أنه ليس من الخير والشر شيء إلا وهو مقدر على من تصيبه المقادير ، وهي التي أوقعتني في هذه الورطة . فقد لا يمتنع من القدر من هو أقوى مني وأعظم أمرا . وقد تنكسف الشمس وينخسف القمر إذا قضي ذلك عليهما . ثم إن الجرذ أخذ في قرض العقد « 2 » الذي فيه المطوقة . فقالت له المطوقة ابدأ بقطع سائر عقد الحمام وبعد ذلك أقبل على عقدي ، فأعادت عليه ذلك مرارا وهو لا يلتفت إلى قولها فلما أكثرت عليه القول وكررت قال لها : لقد كررت القول عليّ كأنك ليس لك في نفسك حاجة ولا لك عليها شفقة ولا ترعين لها حقا . قالت إني أخاف إن أنت بدأت بقطع عقدي ان تمل وتكسل عن قطع ما بقي ، وعرفت أنك بدأت بهن قبلي وكنت انا الأخيرة لم ترض ، وان أدركك الفتور ، ان أبقى في الشرك . قال الجرذ هذا مما يزيد الرغبة فيك والمودة لك ثم إن الجرذ أخذ في قرض الشبكة حتى فرغ منها ، فانطلقت المطوقة وحمامها معها . فلما رأى الغراب صنع الجرذ رغب في مصادقته وناداه باسمه فأخرج الجرذ رأسه فقال له : ما حاجتك ؟ قال : إني أريد مصادقتك ، قال الجرذ : ليس بيني وبينك تواصل ، وإنما العاقل ينبغي له أن يلتمس
--> ( 1 ) عدة الشيء : ما تحتاج اليه فيه ، وقد مر . ( 2 ) العقد : حبل الشرك .